الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )

179

الطفل بين الوراثة والتربية

التي كانت تميزهم ، بل لم يستطيعوا الاستمرار في الحياة كأفراد اعتياديين فهؤلاء يكابدون الضغط الروحي دائماً ويقضون حياتهم في حرمان وشعور بالحقارة والدناءة . وكمثل على ذلك نذكر ما جرى لابن النديم بهذا الصدد . فقد كان إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن النديم من العلماء الذين قلّ نظراؤهم في عصره ، وكان قد اجهد نفسه في علوم كثيرة كالكلام والفقه والنحو والتاريخ واللغة والشعر ، وبرع في جميع ذلك براعة تامة . وكان عملاقاً عظيماً في المناظرات العلمية ، وكثيراً ما كان يتغلب على فضلاء عصره . وله في مختلف العلوم ما يقرب من أربعين مجلداً ، وآثاره المهمة باقية حتى اليوم . كان ابن النديم ذا صوت جميل ، ورغبة شديدة في الغناء . وكثيراً ما كان يشترك في مجالس طرب الخلفاء ورجال الدولة ، ويؤنس الحاضرين بغنائه المطرب ، ويجذب قلوبهم نحوه . . . ولاستمراره في هذا العمل ضؤلت قيمة ثقافته العلمية شيئاً فشيئاً بالنسبة إلى غنائه حتى عرف في المجتمع بهذه الصفة ولقبه الناس ب‍ ( المغنّي ) و ( المطرب ) . لقد أوردت هذه الشهرة ضربة قاصمة على شخصيته ، ولم يتمكن فيما بعد أن يعدّ نفسه في المجمع كرجل عالم مطلع ، وأن يظهر كفاءته العلمية . . . وبالرغم من قربه لدى الخلفاء والشخصيات فإنهم لم يعهدوا اليه بمهمة أو عمل خطير في الدولة ، وذلك حذراً من اضطراب الرأي العام ، . وبهذا الصدد كان المأمون العباسي يقول : لو لم يكن يشتهر ابن النديم بالطرب والغناء لولّيته القضاء ، لأنه يفوق جميع قضاة الدولة الموجودين من حيث الفضل والعلم ، وأكثرهم استحقاقاً لهذا المنصب ( 1 ) . نستنتج مما تقدم أن الاسم المستهجن ، أو اسم العائلة القبيح أو اللقب الشنيع ، أو الشهرة السيئة تسبب الشعور بالحقارة ، وتأزم عقدة

--> ( 1 ) قاموس دهخدا الفارسي ص 2225 .